تحليل قصيدة تموز جيكور للشاعر بدر شاكر السياب
تنتمي القصيدة الى الشعر الحر وتمثل خطاب تكسير البنية
نظرة على العنوان:
يتكون العنوان من كلمتين (1 تموز. 2 جيكور). تدل الكلمة الاولى على اله الخصوبة والحياة في الاسطورة البابلية ، هذا الاله قتله ختزير بري ، وبموته ماتت الطبيعة،وقد وجددته حبيبته عشتار ميتا في العالم السفلي، بعد أن أدميت قدماها من كثرة بحثها عنه وقد نبتت شقائق النعمان مكان نقاط الدم التي سالت من قدميها، وقد أعادته عشتار الى الحياة بعد أن قبلته، فبعث من جديد وبعثت معه الحياة واخضرت. اما الكلمة الثانية "جيكور"فهي قرية الشاعر التي نشأ وترعرع فيها منذ طفولته.
1. الفرضية
يكشف المؤشر البصري شكلا طباعي يحيل على الشعرية. القصيدة منظومة على نظام السطر الشعري. كل سطر مختلف قافية ورويا. نلاحظ أيضا تفاوتا بين الاسطر الشعرية من حيث الطول والقصر، الشاعر يعد من رواد الشعر الحر، العنوان يتكون من كلمتين تعبر الاولى عن أسطورة بابلية أما الثانية فهي قرية الشاعر. لغة النص غير مألوفة للقارئ العادي. كل هذه المؤشرات تدفعنا الى الافتراض أن القصيدة تنتمي الى الشعر الحر وبالضبط خطاب تكسير البنية. فكيف عبر الشاعر عن تجربته؟ والى أي حد استطاع تمثيل خطابه؟
2. المضامين
إن محور النص هو إعادة إحياء جيكور قرية الشاعر وبعثها من جديد، بعد كل القتل الذي تعرضت له. يلبس الشاعر لباس تموز ويربط معانات قريته بمعاناته، فالخنزير الذي قتل قريته، نال منه هو كذلك فراق دمه، فنبتت الملح من هذا الدم. ثم يوجه الخطاب بعد ذلك الى عشتار ويتمنى قبلة منها حتى لو كانت مضلمة، ثم ينتقل الشاعر في المقطع الثاني وكله أمل في إعادة إحياء جيكور من جرحه وإعادة ازدهارها واخضرارها من جديد، وينتهي في المقطع الثالث بالتراجع عن حلمه هذا ، ويختم مستنكرا هذا البعث بعد أن ظلمت دماؤه في الوادي ونضحت عظامه بالملح.
3. الحقول الدلالية
يمنح معجم النص مجموعة كن الحقول الدلالية يمكن صياغتها على الشكل التالي:
3. الحقول الدلالية
يمنح معجم النص مجموعة كن الحقول الدلالية يمكن صياغتها على الشكل التالي:
- الحقل الدال على الحياة:(تخفق أثواب-تلف خيالي أعشاب-ينساب-يضيىء لي الدنيا-لو أنهض- لو أحيا-لو أسقى-ستولد- النور سيورق-سيولد-ستضحك-تتموج أنغاما حلوة...
- الحقل الدال على الموت: (يشق يدي-يغوص لضاه في كبدي-دمي يتدفق-يموت-موتي-لن ينبض قلبي-لن يخفق فيه سوى دود -دمائي -العدم-الموت الباقي-مسيل دمي-القتل..)
- الحقل الدال على الطبيعة: (الخنزير- شقائق-قمح- ملح-أعشاب-كالبرق الخلب-نور-أعناب-ضلمة-عتمة-النور-الصبح-النخل-الطين-الوادي-الحقل -تراب-الغيمة -رمل..)
- العلاقة بين الحقول: يتعالق معجما الموت والحياة بعلاقة تعارض، ويأتي حقل الطبيعة للتعبير عنهما، أي أن الالفاظ التي تحيل على الطبيعة جاءت للتعبير عن جدلبة الموت والحياة بكل ما لهذه الجدلية كن أبعاد وجودية وحضارية ورمزية.
4. الايقاع
- الايقاع الخارجي:
من مظاهر تكسير البنية الايقاعية ضهور التفعيلة بدل البحر والسطر الشعري بدل الاشطر الشعرية والجملة الشعرية والمقطع،وهي تساهم في التعبير عن الموقف والتجربة. وهكذا ساهم استبدال البيت الشعري بالسطر الشعري ، واختلاف القافية والروي، وفد كسر الشارع النظام التقليدي، حيث اعتمد التفعيلة وحد إيقاهية<فاعلن> من البحر المتدارك، وقد وضفها بتغييراتها ،الخبن(حذف الثاني المتحرك)،والقبض(كذف الخامس الساكن)، والقطع(حذف الخامس الساكن وتسكين ما قبله).وقد خضع طول السطر الشعري للدفقة الشعورية فأطول سطر هو" من حقد الخنزير المدثر بالليل" حيث الشعور بثقل المأساة وشدة المعاناة والاحالة على أسبابها وكثرة الاخطار المرتبطة بها.وقد جاءت أغلب القوافي مطلقة باستثناء أربع،يمكن تصنيفها في زوجين(ضلمه-عتمه) للدلالة على الموت،و(حلوة-ربوة)للدلالة على الحياة.وقد جاءت بعض القوافي مردفة لادلالة على الاعباء التي يحملها الشاعر( ينساب-ممتور-ممدود).
- الايقاع الداخلي:
- وقد استعمل الشاعر التكرار والتوازي من أجل تقوية معاني النص وتأكيدها من جهة، وإغناه موسيقى النص من جهة ثانية
5. الصورة الشعرية
لقد أدخل شعراء الشعر الحديث في تصويرهم الشعري بعض الاضافات الجديد التي لم تكن حاضرة عند في الشعر التقليدي كالرمز والاسطورة، وقد وضف الشاعر في هذه القصيدة الاسطورة البابلية " عشتار وتموز"للتعبير عن موقفه من الوجود وخصوصياته الفكرية والحضارية باعتبارها <صورة كبرى> فالنص هو صورة كلية تتألف من صور مركبة وجزئية ، أي أن النص صورة تتأسس على عشتار وتموز ومأساتهما، لكن الشاعر صبغ الاسطورة بتجربته وموقفه، حيث الشك في الولادة الاولى وحيث الاستسلام للهزيمة فرديا وجماعيا، ذاتيا وحضاريا ، وذلك للدلالة على فداحة الواقع.
كما استعمل الشاعر بعض الرموز الطبيعية لاثراء الكثافة التصويرية"النور"ترمز للحياة. "الضلمة - العتمة" ترمز للموت.
ولا يخلو النص من الصور البلاغية مثل:
- التشبيه:(نعل يخفق كالبرق الخلب ينساب) وهو تشبيه رائع يمدح الحياة والموت. كما نجد حضور التشبيه في قول الشاعر(لساني كومة أعواد) وهو تشبيه بليغ حذفت منه الاداة ووجه الشبه ليصل المسبه"لسان الحياة=الحياة" والمشبه به=الموت " الى حد الاتحاد والنطابق
- الاستعارة: (لو أسقى) للدلالة على الرغبة في الانبعاث.
- إن خرزج الصورة الشعرية في هذا النص عن المألوف، جعل اللغة الشعرية في النص تتسم ببعض الغموض لكن الشاعر قدم ما يساعد على فهم هذا الغموض بتوضيف الاسطورة البابلية المعروفة.
6. الاسلوب
من أجل الدلالة على الانية، وضف الشاعر مجموعة من الافعال مثل:
- المضارع:(يشق-يغوص-يتدفق-ينساب-يموت) وبما أم المضارع يقتضي التجدد والاستمرارية فدلالته أن مأساة الشاعر لا زالت مستمرة
- المستقبل: ( ستولد- ستورق-سيفيض-سيظحك) للدلالة على الامل، باعتبارها أفعالا تحمل طابعا إيجابيا.
وتحضر في القصيدة مجموعة من الاساليب الانشائية ك:
- التمني: (لو يومض - لو اسقى -لو أن عروقي أعناب) ويعكس التمني أمل الشاعر في بعث قريته من جديد
- الاستفهام:(أتولد- أينبثق- متى يلد) وهو استفهام غير حقيقيللدلالة على الشك والانتظار القاتل
- النداء: (يا ليل - يا جيكور)وهو نداء مجازي يدل على الاحساس ببعد الخلاص.
- الامر: (أضل - ولتعد) ويدل حسب السياق على الاستسلام التام.
كل هذه الاساليب هي أساليب إنشائية طلبية نكشف رغبات الذات ومطالبها من جهة، وأفكارها ومواقفها من جهة أخرى.
تردد في النصضمير المتكلمويحيل على الشاعر(تموز= الشاعر) للدلالة على التماهي ووحدة المأساة في شقها الاسطوري اي الموت. وهناك ضمير الغائب المؤنقة(عشتار وجيكور) للدلالة على بعد الخلاص وغيابه، كما نجد أيضا حصور ضمير المخاطب ( أضل) للدلالة على الرغبة في حضور منقد يضع حدا لهذه المأساة.
7. خاتمة
هكذا تتجلى التجربة الشعرية والموقف والرؤية عند بدر شاكر السياب. لقد تماهى الشاعر مع الجزء المأساوي من أسطورة تموز، محيلاعلى ذات وحضارة منكسرة تتنظر الخلاص، وفد تظافرت كل المكونات لخدمة هذه التجربة في شكل شعري جديد كسر البنية التقليدية باعتماد نظام السطر والمقاطع وإيقاعية التفعيلة والرمزية التعبيرية، وتوضيف الاسطورة وكلية الصورة، كما عكس الذات بإنشائية التعبير وتنويع الظمائر، وبهذا مثل النص خصابه أحسن تمثيل مكسرا بذلك البنية التقليدية.
ليست هناك تعليقات: