مساحة إعلانية

الاثنين، 6 يناير 2020

الاثنين، 6 يناير 2020

تحليل قصيدة " الخروج" الشعر الحديث: تجديد الرؤية

الشعر الحديث: من تكسير البنية الى تجديد الرؤيا.
     - تجديد الرؤيا:
-تحليل قصيدة "الخروج" 

1. فرضية 
نرصد بصريا شكلا يحيل على الشعرية. تحضر أسطر مختلفة الطول. نهاية الاسطر مختلفة قافية ورويا. عنوان النص يحمل معاني الانتقال والمغادرة، وقد يحمل معنى دييني. بداية النص معاناة ، ونهايته تساؤل عن التوهم واليقين. الشاعر من رواد الحداثة الشعرية في مصر. كل هذه المؤشرات تدفعنا الى الافتراض بأن القصيدة رؤيا جديدة تعبر عن المعاناة والخلاص. فما الموضوع الرئيسي للقصيدة؟ وكيف عبر الشاعر عن تجربته؟ وهل استطاع تمثيل خطابه؟


2. مضمون
تتمحور التجربة الشعرية حول رغبة الشاعر في إحداث قطيعة مع الماضي الاليم وخوض تجربة الرحيل من ذات لأخرى بحثا عن الخلاص. يغادر الشاعر موطنه القديم للتخلص من معاناته، فيخرج ليلا وحيد وفي السر بهدف قتل الذات غير المرغوب فيها والتخلص منها، ويرى الشاعر في شقاوة الرحلة طهارة وشفاء ، كما يرى الموت في الصحراء حياة أبدية لأن البعث سيكون في مدينة الاضوء ثم يشك الشاعر بعد ذلك في اعتبار مدينة الاضواء وهما أو حقيقة.
إن التجربة الشعرية قامت على ثنائيات ضدية هي: الموت#الحياة . المعاناة # الخلاص.  اليأس#الامل. الحلم # الواقع. الشك# اليقين. كما أنها استحضرت أحداث تاريخية إسلامية مع صبغها بصبغة تجربة الذات التي ينصهر فيها الشاعر مع الاسطورة.

3. المعجم
يتراوح معجم القصيدة بين ما يحيل على الواقع يحاول الشاعر التخلص منه، وواقع يصبو اليه ويعتبره خلاصا. وعليه يمكن تقسيم معجم النص الى حقلين دلاليين:


  • حقل الواقع: موطني القديم- عيشي الاليم-أنا القديم-الوراء-آلام جسمي السقيم...
  • حقل الحلم: طهارتي- بعثي - عشت ما أساء في المدينة المنيرة - مدينة الصحو - الذي يزخر بالاضواء- الشمس لا تفارق الضهيرة- مدينة الرؤى التي تشرب ضوء- مدينة الرؤى التي تمج ضوء.. 
ويمكن أن نضيف حقلا ثالثا يتماشى مع التجربة والرؤيا الشعرية، وهو حقل الخروج (أخرج- مطرحا حملت سري-دفنته ببابها - أنسل- أخرج كاليتيم...)
تقوم بنية القصيدة المعجمية على التضاد بين الواقع المأساوي والواقع المأمول الايجابي، مما يحيل على علاقة سلبية بالواقع ورغبة في تجاوزه يمثلها حقل الخروج، ويمكن اختزال حقل الواقع في الالم/ المعاناة، وحقل الحلم في الامل/ الخلاص، وتنحو لغة النص وكلماته منحى اللغة المتداولة.

4. الايقاع

  • الايقاع الخارجي: اتسمت البنية الايقاعية الخارجية بسمة النثرية خضوعا لمتطلبات الرؤيا. ومن مظاهر هذه البنية الايقاعية تفعيلة "الرجز" بكل تغيراتها، وتنويع القافية والروي. وقد تم توزيع التفعيلات بشكل غير متساوي، وخضع طول السطر الشعري أو قصرة لقوة الدفقة الشعورية ( لا تتبعيني نحو مهجري نشدتك الجحيم)=> يحيل على الاحساس القوي بثقل المعاناة . (لو مت عشت ما أشاء في المدينة المنيرة)=> يحيل على الرغبة القوية في الخلاص. وجاءت القوافي غالبا مقيدة تحيل على الانقباض، ومردفة تحيل على ثقل المعاناة. ولم تتحقق الوقفة الدلالية في أغلب الاسطر مما ترتب عنه طول الجملة الشعربة التي تحيل على قوة الدفقة الشعورية . وقد تحققت الوقفة العروضية في أغلب الاسطر باعتبار الردف والروي الساكن .

  • الايقاع الداخلي:يقوم الايقاع الداخلي غالبا على التكرار ويحضر التكرار في القصيدة من خلال تكرار بعض الكلمات( نفس حجارة أم أنت حق...) والتجانسات الصوتية (النون والميم). ويحضر التوازي أيضا في      ( مدينة الرؤى التي تشرب ضوء= مدينة الرؤى التي تمج ضوء) ويؤدي التوازي الوضيفتين الايقاعية والدلالية، وقد أدت التكرارات نفس الوضيفة.

5. الرمز والاسطورة

وضف الشاعر عددا من الاشارات الرمزية ذات المنحى التاريخي والديني ساعيا الى هدمها في صورتها الاصلية لبناءها من جديد ومحاورتها بما تتطلبه الرؤيا الشعرية ومنها ( هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم - مبيت علي في فراش النبي - رفقة أبي بكر الصديق في الهجرة - غوص حوافر فرس سراقة في الرمل عند مطاردته لهما  - قصة لوط عليه السلام في سدوم - بعض المذاهب التي تطهر الروح بتعذيب الجسد).

6. الصورة الشعرية
لقد تشكل التصوير الشعري في القصيدة بألوان بلاغية  كالتشبيه (أخرج كاليتيم ) ، والاستعارة ( استملت بالسماء والنجوم) وقد ساهمت هذة الصور في كشف الرؤيا الخاصة بالشاعر وخدمة موضوع القصيدة.

7.  الاسلوب
  • زاوج الشاعر بين الجمل الاسمية المرتبطة بالثبات والاستقرار( إن عذاب رحلتي طهارتي / الموت في الصحراء بعثي المقيم / الشمس لا تفارق الظهيرة  )، والجمل الفعلية ( أخرج / حملت / دفنت / استملت /  أنسل...). وتنقل الجمل الفعلية الدينامية والحركية في القصيدة مما ساهم في التعبير عن رؤيا الشاعر وموقفه الفكري والوجودي والهروب من الواقع.

  • تكشف أساليب الخبر والانشاء مقصدية الشاعر ، فوضيفة الخبر التقرير والتبليغ بحالة الشاعر، والانشاء للتعبير عن مطالب الذات ورغباتها، ويحضر الانشاء من خلال الامر (سوخي - تحجري - لتنسني) للدلالة على الرفض، والنهي ( لا تتبعيني) للدلالة على مقت الواقع، والتمني ( لو مت) دلالة على الامل، والاستفهام (آخر النص) للدلالة على الشك، والتأوه ( أواه) للدلالة على الشوق الشديد، والنداء ( يا مدينتي) للدلالة على الشوق الكبير.

  •  يراوح الشاعر بين ضميرين هما المتكلم والمخاطب، فالاول يحيل على الشاعر/ الامة، ويكشف الموقف والعلاقة بالواقع. أما الثاني فيعود على الواقع المرفوض والواقع المأمول.
8.  خلاصة 

أخيرا يمكن القول بأن النص عكس تجربة ذاتية ذات أبعاد وجودية قائمة على ثنائيات ضدية أهمها الواقع والحلم، وتوسلت بأحداث تاريخية دينية تشكلت بما يتوافق مع رؤيا الشاعر التي ساهمت في بناءها كل المكونات من معجم، وإيقاع، ورموز استمدت دلالتها من مرجعيتها وعكستها على التجربة، إضافة الى التركيب الفعلي والاسمي، والخبر والانشاء، ودلالة الظمائر. وهكذا تكون القصيدة قد استوفت مطالب الخطاب وشكلت رؤيا جديدة ذات أبعاد متعددة.

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة لــ دروس الثانوي 2017 ©